الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
173
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْمِيثاقَ على جملة يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ . والتعريف في الْمِيثاقَ يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد اللّه فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان . وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد اللّه . وتلك هي مسوغة عطف وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ على يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها ، وتعريضا بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال ، فعطف التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص . والميثاق والعهد مترادفان . والإيفاء ونفي النقض متحدا المعنى . وابتدئ من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبئ عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات وطريقها ، ولذلك عطف على يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ قوله : وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ تحذيرا من كل ما فيه نقضه . وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد ، وليس من عطف الأصناف . وذلك مثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء في معاني القرآن : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم فالمعنى : الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل ، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد ، ومنها ما لا يستلزم إلا التفريط في الفضل . وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة ، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها ، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات . فالمراد ب الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ما يصدق على الفريق الذين يوفون بعهد اللّه . ومناسبة عطفه أنّ وصل ما أمر اللّه به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد اللّه وهو عهد الطاعة الداخل في قوله : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ في سورة يس [ 61 ] .